الشيخ محمد رشيد رضا

432

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المعنى الذي اختاره شيخنا قوله تعالى ( 43 : 38 وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ) وظاهر الآية أن العاصي المتعدى للحدود يكون خالدا في النار وفي المسألة الخلاف المشهور بين الأشعرية وغيرهم من أهل السنة وبين المعتزلة ومن على رأيهم فهؤلاء يقولون إن مرتكب المعصية القطعية الكبيرة يخلد في النار ، وأولئك يقولون إنه لا يخلد في النار إلا من مات كافرا وأما من مات عاصيا فأمره إلى اللّه وهو بين أمرين ، إما ان يعفو اللّه عنه ويغفر له وإما أن يعذبه على قدر ذنبه ثم يدخله الجنة لقوله تعالى ( 4 : 115 إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) وستأتي الآية في تفسير هذه السورة . وكل فريق من المختلفين يجعل الآية التي تدل على مذهبه أصلا يرجع إليه سائر الآيات ولو باخراجها عن ظاهرها الذي يعبرون عنه بالتأويل قال الأستاذ الامام : ذهب بعض المختلفين إلى أن تعدى حدود اللّه تعالى هنا يراد به جميع الحدود لا جنسها ومن تعدى حدود اللّه كلها ولم يقف عند شئ منها فهو كافر خالد في النار . وقال بعضهم : إن التعدي يصدق بالبعض وهو يكون من الكفر وجحود الحكم بعدم الاذعان له ، والجحود إما صريح وإما غير صريح ولكنه حقيقي وإن لم يصرح به صاحبه ، فان أخذ شئ من حق إنسان وإعطائه لآخر لا يكون إلا من إنكار حكم اللّه في تحريم ذلك أو الشك فيه ، وإن الحاكم إذا ثبتت عنده السرقة فحبس السارق ولم يقطع يده كان منكرا للحد الذي أوجب اللّه معاقبة السارق به أو مستقبحا له وكلاهما من الكفر وإن لم يصرح به صاحبه ثم قال ما مثاله : وإذا تأملتم في هذا الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة تجدونه لفظيا . فان الكلام في المصر على الذنب مع العلم بأنه ذنب لأنه تعالى قال في الناجين المسارعين إلى الجنة ( 3 : 135 وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) - راجع تفسيره في ص 135 ج 4 من التفسير - فان من يعمل الذنب ولا يخطر في باله عند ارتكابه انه منهى عنه لا يعد مصرا عالما وقد بينا من قبل أن للمذنب حالتين وإننا نعيد ذلك ولا نزال نلح في تقريره إلى أن نموت : الحالة الأولى ) غلبة الباعث النفسي من الشهوة أو الغضب على الانسان حتى يغيب عن ذهنه الأمر الإلهي فيقع في الذنب وقلبه غائب